أحمد مصطفى المراغي

91

تفسير المراغي

وإيضاح هذا - إن تحكيم العقل البشرى في الخوض في ذات اللّه وصفاته وفيما دون ذلك من عالم الغيب كالملائكة والعرش والجنة والنار - تجاوز لحدوده ، فإن أكبر العلماء والفلاسفة عقولا عجزوا إلى اليوم عن معرفة كنه أنفسهم وأنفس ما دونهم من المخلوقات صغيرها وكبيرها حتى الحشرات منها كالنحل والنمل ، فأنّى لهم أن يعرفوا كنه ذات اللّه وصفاته أو معرفة حقيقة ملائكته وغيرهم من جند اللّه ؟ . ولما خرج متأخر والأمة عن هدى سلفهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان زاغوا فكانوا : « مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ » فسقط بعضهم في خيال التشبيه ، وبعضهم في خيال التعطيل . ولو كانوا قد نهجوا نهج السابقين لتجنبوا أسباب الخلاف والتفرق في الدين الذي أوعد اللّه أهله بالعذاب العظيم وبرأ رسوله منهم . والواجب التزام كتاب اللّه وما فسرته به سنة رسوله صلى اللّه عليه وسلم من العبادات العملية بدون تحكم بالرأي والقياس ، والمعاملات على النحو الذي بينه الكتاب والسنة على السنن القويم دون تأويل ولا تخريج لهما على غير ما يفهم من ظاهرهما . أما الاختلاف فيما عدا ذلك من أمور القضاء والسياسة وأمور المعاش من زراعات وتجارات فهو أمر طبيعي لا يمكن الغنى عنه ، فلولاه لما تقدمت شؤون الحياة ، ولما حصل التنافس لدى أرباب المهن والصناعات ، ولما جدّ كل يوم بدع جديد ( موضه ) ولكان الناس دائما على الفطرة الأولى ، وأنّى لعقل الإنسان أن يستمر على حال واحدة وقد أوتى الخلافة في الأرض وحسن استعمارها ، وبهذا وحده فضل الملائكة وللّه في خلقه شؤون . وقد بين سبحانه لنا المخرج إذا حدث بيننا الخلاف في الدين فقال : « فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ » الآية وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه